مقالات ورأى

مايسة عادل تكتب – الابتسامة ليست دائمًا عنوان السعادة خلف الوجوه الصامتة

مايسه عادل : تكتب

تختزل المجتمعات كثيرًا من الأحكام في مشهد عابر؛ ابتسامة مرسومة على وجه إنسان، أو صورة تنبض بالهدوء، أو نجاح يبدو مكتمل الأركان. ومن هنا تبدأ المقارنات الخاطئة، ويولد الحسد أحيانًا من أوهام صنعها المظهر، بينما تغيب الحقيقة الكاملة عن الجميع. فليس كل من يبتسم يعيش في رفاهية نفسية،

وليس كل من يبدو قويًا قد انتصر على أوجاعه، بل إن كثيرًا من البشر يتقنون إخفاء آلامهم حفاظًا على كرامتهم، أو رحمةً بمن حولهم، أو إيمانًا بأن الشكوى الحقيقية لا تكون إلا إلى الله. ولهذا، فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه للآخرين ليس إصدار الأحكام، بل منحهم مساحة من الرحمة، وحسن الظن، والوعي بأن لكل إنسان قصة لا نعرف منها إلا ما اختار أن يظهره.

مايسة عادل تكتب - الابتسامة ليست دائمًا عنوان السعادة خلف الوجوه الصامتة
مايسة عادل تكتب – الابتسامة ليست دائمًا عنوان السعادة خلف الوجوه الصامتة

لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تعزز ثقافة المقارنة، حيث يرى الناس لحظات الفرح والنجاح، بينما تبقى لحظات الانكسار والدموع بعيدة عن العدسات. فينشأ اعتقاد خاطئ بأن الجميع يعيشون حياة مثالية باستثناء من ينظر إليهم، فتزداد الضغوط النفسية وتتسع دائرة الأحكام السطحية.

والحقيقة أن الإنسان قد يبتسم وهو يحمل همومًا تثقل قلبه، وقد يواسي الآخرين بينما هو في أمسّ الحاجة إلى من يواسيه. لذلك، فإن التعامل مع البشر برفق لم يعد مجرد خلق كريم، بل ضرورة إنسانية تفرضها طبيعة الحياة وتعقيداتها، لأن الكلمات الطيبة قد تكون سببًا في إنقاذ قلب أنهكه الصمت.

كما أن الصمت لا ينبغي أن يُفسَّر دائمًا على أنه قوة مطلقة أو ضعف مطلق، فالنفوس تختلف في طرق التعبير عن الألم. هناك من يبوح، وهناك من يختار الصمت لأنه لا يجد الكلمات المناسبة، أو لأنه لا يريد أن يكون عبئًا على أحد. ومن هنا تأتي أهمية نشر ثقافة التعاطف بدلًا من ثقافة الأحكام، والاستماع بدلًا من الافتراض،

والاحتواء بدلًا من الانتقاد. فكم من إنسان كان يحتاج إلى كلمة دعم صادقة، أو ابتسامة مخلصة، أو دعاء بظهر الغيب، أكثر من حاجته إلى نصائح أو استنتاجات لا تستند إلى معرفة بحقيقة ما يعيشه.

وفي النهاية، تبقى القلوب عالمًا لا يطلع عليه إلا الله، ويبقى الإنسان مسؤولًا عن أخلاقه قبل آرائه، وعن رحمته قبل أحكامه. فلا تغرنّا الابتسامات، ولا تخدعنا الصور، ولا نقيس سعادة الناس بما يظهر أمامنا. ولنجعل من حسن الظن منهجًا، ومن جبر الخواطر رسالة، ومن الكلمة الطيبة عادةً يومية،

فربما كانت سببًا في تخفيف وجع لا يعلم مداه إلا صاحبه ورب العالمين. إن الإنسانية الحقيقية تبدأ حين ندرك أن خلف كل وجه مبتسم حكاية قد لا تُروى، وأن أرقى صور القوة هي أن نعامل الجميع برحمة، لأن الله وحده يعلم ما تخفيه الصدور، وهو وحده القادر على جبر القلوب وإزالة الأوجاع.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى